فخر الدين الرازي

10

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ومنه قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [ المائدة : 64 ] أي هو بخيل بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] أي هو جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط ، والتفسير بالنعمة والتمحل بالتسمية من ضيق العطن . وأقول : إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم أيضا يقولون المراد من قوله : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] الاستغراق في خدمة اللَّه تعالى من غير تصور فعل ، وقوله : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ إبراهيم : 69 ] المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام من يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب البتة ، وكذا القول في كل ما ورد في كتاب اللَّه تعالى ، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه ، وليت من لم يعرف شيئا لم يخض فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه الآية ، ومن أراد الاستقصاء في الآيات والأخبار المتشابهات فعليه بكتاب تأسيس التقديس وباللَّه التوفيق . أما قوله تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما / بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى فاعلم أنه سبحانه لم شرح ملكه بقوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى والملك لا ينتظم إلا بالقدرة والعلم ، لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم . أما القدرة فهي هذه الآية والمراد أنه سبحانه مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السماوات من ملك ونجم وغيرهما ، ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات « 1 » ومالك لما بينهما من الهواء . ومالك لما تحت الثرى ، فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شيء فكيف يكون اللَّه مالكا له قلنا : الثرى في اللغة التراب الندي فيحتمل أن يكون تحته شيء وهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات ، أما العلم فقوله تعالى : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى وفيه قولان ، أحدهما : أن قوله : وَأَخْفى بناء المبالغة ، وعلى هذا القول نقول إنه تعالى قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام : الجهر ، والسر . والأخفى . فيحتمل أن يكون المراد من الجهر القول الذي يجهر به ، وقد يسر في النفس وإن ظهر البعض ، وقد يسر ولا يظهر على ما قال بعضهم . ويحتمل أن يكون المراد بالسر وبالأخفى ما ليس بقول وهذا أظهر فكأنه تعالى بين أنه يعلم السر الذي لا يسمع وما هو أخفى منه فكيف لا يعلم الجهر ، والمقصود منه زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة ، والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة ، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر والأخفى على ما فيه ثواب أو عقاب ، والسر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها ، والأخفى هو الذي لم يبلغ حد العزيمة ، ويحتمل أن يفسر الأخفى بما عزم عليه وما وقع في وهمه الذي لم يعزم عليه ، ويتحمل ما لم يقع في سره بعد فيكون أخفى من السر ، ويحتمل أيضا ما سيكون من قبل اللَّه تعالى من الأمور التي لم تظهر ، وإن كان الأقرب ما قدمناه مما يدخل تحت الزجر والترغيب . القول الثاني : أن أخفى فعل يعني أنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلمه وهو كقوله : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [ البقرة : 255 ] فإن قيل كيف يطابق الجزاء الشرط ؟ قلنا معناه إن تجهر بذكر اللَّه تعالى من دعاء أو غيره ، فاعلم أنه غني عن جهرك ، وإما أن يكون نهيا عن الجهر كقوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [ الأعراف : 205 ] وإما تعليما للعباد أن الجهر ليس لاستماع اللَّه تعالى ، وإنما هو لغرض آخر ، واعلم أن اللَّه تعالى لذاته عالم وأنه عالم بكل المعلومات في كل الأوقات بعلم واحد وذلك العلم غير متغير ، وذلك العلم من

--> ( 1 ) في الأصل الأميري : والفلوات جمع فلاة وهي الخلاء والفضاء في الأرض كالصحاري لا نبات بها ، وهي محرفة عن الفلزات ، وهي جواهر الأرض وعناصرها المكونة منها .